علي بن محمد التركه
596
شرح فصوص الحكم
العناصر وما تولَّد عنها ، فهو أيضا من صور الطبيعة ، وهي الأرواح العلويّة التي فوق السماوات السبع ، وأما أرواح السماوات وأعيانها فهي عنصريّة ، فإنّها من دخان العناصر المتولَّد عنها ) تولَّد لطيف الأجزاء الدخانيّة من كثيف الأجزاء الناريّة ، فإنّ ألطف أجزاء النار هي التي يعلوها في صورة الدخان ، وفي الدخان أيضا أجزاء لطيفة وكثيفة ، فاللطيف منها يتولَّد منه أرواح السماوات وإليه أشار بقوله : ( وما تكوّن عن كلّ سماء من الملائكة فهو منها ، فهم عنصريّون ومن فوقهم ) من العقول المجرّدة المسمّاة بلسان الشريعة ب « الملإ الأعلى » طبيعيّون ، فلهذا وصفهم الله بالاختصام - أعني الملأ الأعلى - لأنّ الطبيعة متقابلة ، والتقابل الذي في الأسماء الإلهيّة التي هي النسب إنّما أعطاه النفس ) [ مبدأ التقابل في العالم ] فعلم من هذا أنّ التقابل وما يستتبعه من الاختصام إنّما هو أولا [ ألف / 290 ] وبالذات من النفس ، وثانيا وبالعرض من الأسماء ، فلا تعلَّل اختصام الملإ الأعلى بتقابل الأسماء ، فإنّ النفس هو مبدأ التقابل وأصله . ( ألا ترى الذات الخارجة عن هذا الحكم كيف جاء فيها الغنى عن العالمين ؟ ) وهو مما يسقط نسبة العالم عنها مطلقا ، ( فلهذا ) أي لأنّ الذات لها الغنى ( خرج العالم على صورة من أوجدهم ) فإنّها مستغنية عن نسبة الإيجاد ( وليس ) الموجد ( إلا النفس الإلهي ) فعلم « 1 » من هذا الفرق بين نفس
--> « 1 » قد ورد في الخبر الصحيح عن بعض أئمتنا وسادتنا عليهم السّلام في تفسير قوله سبحانه حكاية عن عيسى بن مريم عليه السّلام : * ( وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ [ 5 / 116 ] أن المراد من النفس المضافة إلى كاف الخطاب هو أمير المؤمنين علي المرتضى قبلة العارفين ، الذي قال : « معرفتي بالنورانيّة معرفة اللَّه ، ومعرفة اللَّه معرفتي بالنورانيّة » ونفس اللَّه تعالى لها مقامات مترتبة أربعة أو خمسة : مرتبة النقطة ، والرحمة ، ثم مرتبة الألف المطلقة ، والنفس الرحماني المسماة بالريح في اللسان القرآني ، ثم مرتبة الحروف البسيطة المسماة بالسحاب المزجي في ذلك اللسان ، ثم مرتبة كلمة « كن » المركبة من بسائط الحروف المسماة بالسحاب الثقال وبالركام والمتراكم . وعلى تقدير اعتبار كونها خمسة يعتبر مرتبة الماء الفائض النازل من سماء مرتبة السحاب الثقال ، الذي به يحيى أرض الأموات ، وكل ذلك قد كنى عنه في اللسان القرآني كما أشرنا . والمراد من الماء هاهنا هو وجود كل شيء ينزل من تلك السماء ، فإن كلمة « كن » واحدة في نفسها وتتعدد وتتكثّر بتعلقها بأعيان الأشياء الموجودة بأطوارها التي هي وجودات الأشياء ، ووجودات حقائقها الروحانية في العالم الأعلى - فافهم فهم نور ، لا وهم زور - نوري .